أي أبواب غرف الفنادق : جبينك ؟
سأضع على جبين كل من يواجهني : توقيعي الصغير..
سأضع لكبار السن : قبلة .
سأضع للأطفال : مسحة حانية .
إلا أولئكَ الذين يأتون و يسكنون الذاكرة, ثم يبحرون و يطيرون بعيداً ..
سأضع على جبين كل منهم : رقماً !
و كأنهم أحد أبواب غرف الفنادق الآيلة للرحيل .
ثم ماذا سأفعل ؟ .
اممممم / … أقول : سأطرق على رؤوسهم بالرصاص .
مما تيسر من الجمعة .
هذه الجمعة تبدو كصلاة طويلة..
يقرأ فيها الإمام الأعلى و الغاشية و أنتَ تتململ و تتذمّر: اللهُ أحد ولا تُزِد,
تتشاغل برفع ناظرك إلى غُتر الصف الذي أمامك,
طريقتهم في ارتدائها.. العقال الأسود المرفوع حتّى منتصف الرأس كيلا يسقط,
كلهم يتشابهون في صلاة الجمعة, مكتئبين و كأنهم في موعد مع ذويهم لأخذ جرعة من الدواء .
كل الصفّ الذي أمامي يغفو و يركع و يرفع ثمّ يعود من التِيه في السجدة الأخيرة .
…………… يسلّم الإمام تسليمته الأخيرة و أنا ضائعٌ في تشهدّي الأول .
أحزان صغيرة .
+
حزني يشبه قمصان المرضى في المستشفيات الحكومية المملوءة بالوحدة،
يكشف عوراتهم في الممرات و يكسرهم..
فيمنحهم المارّون نظرة شقاء. إن حزني يكسرني و يعرّي صدري..
و هؤلاء المارّون يأتون و في مقلتيهم (واو) العطف التي فصلتني عن (واو) الجماعة..
فبتُّ و كأني وحيدٌ أمام أحزاني هذا المساء !
(هافي).. الذي لا يجيء !
..
يقوم بعد غيبوبة بمنتصف الليل في مستشفى مملوء برائحة الغربة . و يصيح بصوت يائس و كأنّه يرتّل سورة من الحزن الطويل , إنّه يذبل كمحارب أصبح و العدوّ يحشو صدره بالرصاص , إذ لا حيلة له أمام فلول آلامه . لا شيء يعبيء الممرّ الطويل سوى صوته في الجناح السادس و هو يصيح بصوتٍ يابس الريق:
- أبي (هافي) !
- جدّي شفيك ؟ طيّب إن شاءالله .. و ماتشو….
- وين (هافي) ؟ أبي (هافي) !
يرمي الفتى عقاله الذي وضعه في حجره طول هذا الليل الأليل. و يتذاكى بردّ فعل سريع, متوقعاً أن (هافي) قد يكون أحد أصدقاء الطفولة البعيدة لجدّه التي ربما استحضرها جدّه بعد هذه الغيبوبة الآثمة, إنّها قضت على العديد من ذكرياته, غير أن حفيده الفتى العائم بالمشاكل و الغارق بهجر حبيبته التي فارقته دون سبب سوى أنّه : خلق عجولا ! قد جعل من نفسه قارئ الفنجان, الذي توقّع بأن (هافي) إنّما هو الرجل الذي سيعيد جدّه كما كان, أنار في رأسه مصباح لا ينقصه سوى زيتَ الشرود: إنّ (هافي) جاءت و كأنها عصا موسى التي تلقف ما يأفك المرض في جسد جدّي. يقوم الفتى و يهمس بثقة و عينه تلمع بعلامة نصر مؤججة :
- جدّي .. أنا أكلم لك (هافي) يجيك الحين ! بس أنت عيّن خير و اصبر .
تتعاظم الصرخات في صوت الجدّ حتى اقترب من الفتى ووضع عينه قبالة عينيه, ليتطاير منهما الشرر, عاضاً على شفتيه.. ليقول بحنق:
- إنت ماتفهم .. (هافي) أبي (هاااااااافي) !
يا للفتى الذي شعر بأنّه شخّص حالة الذكريات المزمنة, و رأى في نفسه طوق النجاة لحالات الغفو التي تلازم جده منذ عامين, إنه و بدافع محبته لرائحة كبار السن العابقة بالبخور, وجد أنّه ينزع مسامير نعش جده :
- ما عليك لا تشيل هم يا جدّي تراني كلمت (هافي) , و هو جاي بالطريق.. بس بنشر عليه الكفر ويبي يغيره ويجيك على وجه الصبح !
قالها و وضع في قرارة نفسه أن هذا الرد سيلزم جدّه الصمت.. إنه ردّ مرضٍ لحالة الهيجان التي افتعلها الجدّ في منتصف الليل, و إنه دواء ناجع لحالات الفقد التي يعيشها الجدّ المسكين . لولا أنّ الجدّ رفع قميص المستشفى الأزرق اللون, و الذي كما لو كان أزرقهُ الطويل يغفو بتعب على تعبه . و أشار بيديه إلى فخذيه المتورمين من الأملاح .. بانكسار كان ينظر للفتى لدقائق صامتة بانكسار, حتّى همَسَ ببؤس و هو يعيد الإشارة إلى فخذيه :
- أبي (هافي) !
أبواب مبتورة .
+
صباح الغرف مبتورة الأبواب !
صباح الأبواب التي تستدق كلما طرق عليها غريب !
صباح الغرباء الذين يستخدمون ياءات المُتكلّف !
صباح لا يليق إلا بيومٍ آخر..
يتكرر به صرير الريح .. في نوافذ الانتظار !
و ينمو به غصنُ أخير .. في شجرة الحيرة !
.. ترى توّ ابتدا الموعد !
الساعة تشير إلى موعدك الذي لم يأتِ بعد ,
و قلقي الوقور يشير إلى حضورك ..
حضورك الذي نشرَ عطرهُ في المكان المزدحم بغيابك, حتّى قبل أن يحين مجيئك !
و المكان يجلس على عتبة مكسورة.. خالٍ من أي أغنية..
سوى من عبادي و هو يقول (أرجوك لا تبعد.. ترى تو ابتدا الموعد ) !
إليها, التي لا تشبه الماء .
تتنحّى شمالاً.. جهةً الصدر,
و الصدر في عُرف الرجل : حبل غسيل للحزن.. ينشر عليه قبلاته !
لكنها تقول كلاماً أشبه بالشِعر.. متجاوزةً في الفتنة !
إنها امرأة لا تشبه سوى ليالي الشمال الباردة .
و التي تفتنكَ أكثر كلما تعرّيت . و قلتَ : السهو يا سيدتي .
إنها امرأة قبّلتكَ قبلةَ السهو . قبلةَ الفداحة . قبلةَ النسيان .
و ما قالت : الوداع !




